القاضي عبد الجبار الهمذاني
311
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : لو قبح لأنه ظلم ، وكونه ظلما لا يكون بالفاعل ، لوجب أن لا يكون قبيحا به ، ولما حسن أن يذم عليه . قيل له : لا يمتنع أن يكون ظلما بفاعله لأنه كان يصح أن يحدثه لا ظلما كما يصح أن يحدثه ظلما ؛ فلا يمتنع أن يكون قبيحا به وأن يستحق الذم عليه . على أنه لو لم يكن ظلما به ولا قبيحا ، لم يمتنع أن يستحق الذم عليه لأنه أحدثه مع معرفته بقبحه وقد كان يجوز أن لا يحدثه كما نقول في الجهل وغيره . فإن قال : لو قبح لأنه ظلم ، لوجب متى كان ظلما ممن ليس بعاقل أن يكون قبيحا منه . قيل له : كذلك نقول . فإن قال : فيجب أن يحسن ذمه . قيل له : إن حسن الذم لا يتبع وقوع القبيح ، وإنما يتبع وقوعه ممن علم قبحه ، أو تمكن من معرفة قبحه ، حتى يكون ممن يمكنه أن يتحرز منه في الحال التي أوقعه فيها . فإن قال : إن قبح لأنه ظلم فيجب في النائم والساهي إذا فعلا مثل هذا الضرر أن يكون ظلما وقبيحا . فيل له : كذلك نقول ، وهو الّذي كان يقوله شيخانا أبو عبد اللّه وأبو إسحاق « 1 » رحمهما اللّه . وبينا أنه لا معتبر بحال الفاعل ، وإنما يعتبر حال الفعل إذا اختص بكونه ظلما ، وفصلا بينه وبين ما يقبح لوقوعه على وجه بالإرادة وما شاكلها . وبينا أن للسهو تأثيرا فيما هذا حاله من الأفعال / ولا تأثير له فيما هو ظلم . وبينا أنه وإن قبح فلا يحسن ذمه لما قدمناه . وهذا أولى مما ذهب إليه شيخانا أبو علي وأبو هاشم رحمهما اللّه ؛ لأنهما ظنا أن للسهو تأثيرا في كل فعل يقع من الساهي ، وأن العلة في ذلك خروجه من أن يصح أن يقصد وتتردد دواعيه ، وأنه متى كان هذا حاله ، كان الواقع منه وجوده كعدمه ؛ فليس بأن يقبح أولى من أن يحسن . وقد بينا القول في ذلك مشروحا في أوّل باب العدل .
--> ( 1 ) يشير إلى أبى عبد اللّه محمد بن زيد الواسطي وأبي إسحاق بن عباس ؛ وقد تقدمت الإشارة إليهما .